شرم الشيخ - حسن سلامة
في مشهدٍ يفيض عبقًا بالأصالة، وتتناغم فيه ملامح التاريخ مع نبض الحاضر، تحتضن سفوح جبال شرم الشيخ بمصر فعاليات تراثية مميزة تُقام على هامش سباق الهجن، لتتحول المنطقة إلى لوحة حيّة تعكس روح البادية وثراء الموروث الثقافي المرتبط بالإبل، رفيقة الصحراء وذاكرة الإنسان العربي.
هنا، حيث تمتزج الحضارة بالتاريخ، وتتعانق الجبال الشاهقة مع سحبٍ خفيفة تحمل عطر التراث، تنبض الأجواء بإيقاع خاص. على وقع بكارج القهوة العربية الأصيلة، وأصوات ارتطام فناجينها، يستعيد الزائر لحظاتٍ من زمنٍ أصيل، كانت فيه القهوة عنوان الكرم، وكانت الإبل شريان الحياة في قلب الصحراء.
وتنتشر على امتداد سفوح الجبال معارض تراثية متخصصة في أدوات الهجن، تعرض تفاصيل دقيقة من حياة البدو اليومية. في هذه المعارض، تتجلى مهارة الحرفيين في صناعة “الحوايا” التي تُستخدم لحفظ متاع الراكب، و”الأرسان” التي تمثل أدوات التحكم في الإبل، إضافة إلى “الغبطان” وهي القطع التي توضع على ظهور الهجن لتوفير الراحة أثناء الترحال. كل قطعة تُحاكي قصة، وكل تفصيلة تحمل بصمة زمنٍ كانت فيه هذه الأدوات ضرورة لا غنى عنها.
ولا تقتصر الفعاليات على عرض الأدوات فقط، بل تمتد لتشمل تجربة حسية متكاملة، حيث يمكن للزوار التفاعل مع الحرفيين، ومشاهدة طرق تصنيع هذه الأدوات التقليدية التي تُصنع غالبًا من الجلد الطبيعي والصوف، وتُزيّن بنقوش مستوحاة من البيئة الصحراوية. هذا التفاعل يمنح الزائر فرصة لفهم أعمق للتراث، ويخلق جسرًا بين الأجيال.
وعلى هامش المهرجان، تتألق القرية التراثية كمساحة نابضة بالحياة، تجمع بين الفن والحرفة والذاكرة. هنا تُعرض مشغولات بدوية متنوعة، تشمل الأحجار الطبيعية المصقولة، وقطع الزينة الخاصة بالإبل، والتي تُستخدم لتزيين أعناقها ورؤوسها خلال السباقات والمناسبات. كما تتواجد منتجات يدوية تعكس مهارة المرأة البدوية، من منسوجات وسجاد وأدوات زينة، تُحاك بخيوط الصبر والإبداع.
وتُشكل هذه المعارض منصة حيوية للحفاظ على التراث البدوي، حيث تُعيد إحياء مهنٍ كادت أن تندثر، وتمنحها بُعدًا معاصرًا من خلال عرضها في إطار مهرجاني يجذب الزوار من مختلف الجنسيات. كما تُسهم في تعزيز الوعي الثقافي، وتُبرز أهمية الإبل كرمزٍ للهوية العربية، وكمكون أساسي في تاريخ المنطقة.
وفي ظل هذا التنوع الثقافي، يتحول سباق الهجن من مجرد حدث رياضي إلى مهرجان شامل يحتفي بالإنسان والمكان، ويُعيد رسم ملامح العلاقة العميقة بين البدو وبيئتهم. فالإبل هنا ليست فقط وسيلة تنقل، بل كائن حي يحمل في ملامحه حكايات الصحراء، ويجسد روح التحدي والصبر.
إن هذه الفعاليات التراثية في شرم الشيخ تُعد نافذة مفتوحة على الماضي، وفرصة لاستكشاف كنوز ثقافية غنية، تُروى عبر أدوات بسيطة لكنها عميقة الدلالة. وبين رائحة القهوة، وصوت الريح بين الجبال، وخطى الهجن على الرمال، يجد الزائر نفسه في رحلة زمنية تأخذه إلى قلب الصحراء، حيث لا يزال التراث حيًا، ينبض بالحياة، ويُروى بكل فخر.




