ربط الحداثة بالأصالة
دعم الأمير ساهم في ازدهار رياضات الأجداد
برؤية القيادة.. التراث ليس مجرد صفحات محفوظة بل مشروع حي
الأمم التي تعرف تاريخها أقدر على صياغة مستقبلها
• قطر نظّمت أفضل نسخ كأس العالم لكرة القدم 2022
• الإبل جزء أصيل من تاريخ البادية
• إنشاء نظام إضاءة حديث لإقامة السباقات الليلية
• تحسين شبكات الطرق وتسهيل الوصول للميادين
• الشيحانية درة الميادين يستقبل أهم المهرجانات في منطقة الخليج
|| كتب: عبد الله الجعيل
في قطر العروبة والأصالة والمجد تجد التراث مع الحداثة جنبًا إلى جنب مقدمةً للعالم نموذجًا استثنائيًا في الموازنة بين طموح المستقبل وهيبة التاريخ، وما كان لهذه المعادلة الصعبة أن يُكتب لها النجاح والفلاح لولا الرؤية المباشرة و الثاقبة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي نقل الحفاظ على تراث الإبل من حيز "الهواية" العابرة التي يتوارثها الأبناء عن الأجداد، إلى فضاء "المشروع الوطني" المتكامل الذي يجمع بين عراقة الماضي واحترافية الغد.

حارس الهوية وعنوان المعاصرة
حين يُذكر الحفاظ على التراث في المنطقة، يتصدر اسم سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني القائمة، ليس فقط بصفته حاكمًا، بل بوصفه الراعي الأول والداعم الأبرز لمسيرة صون الهوية الوطنية.
وليس أدل على ما نقول، أكثر من الإشارة بوضوح إلى أن قطر التي أبهرت العالم بتنظيم أنجح دورة في تاريخ كأس العالم لكرة القدم (مونديال 2022)، هي ذاتها التي تُسخر إمكانياتها التقنية والبشرية لتنظيم مهرجانات "مزاين الإبل" و"سباقات الهجن" بذات الدرجة من الدقة والاحترافية. هذا التوازي يعكس عمق الإيمان بأن النجاح في الملاعب العالمية للرياضات الحديثة يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الفخر بالمضامير التراثية، انطلاقًا بكل ثقة وثبات نحو آفاق مستقبل لا تحده حدود.

من الرمزية إلى الاحترافية
لم يكتفِ سمو الأمير بالدعم المعنوي أو الرمزي للموروث، بل ترجم هذا العشق للأصالة إلى استراتيجيات تطوير شاملة. لقد وجه سموه برفع مستوى التنظيم وتطوير البنية التحتية للفعاليات التراثية، مما أعاد إحياء الشغف لدى ملاك الهجن والإبل، وجذب العناصر الشبابية التي كادت الرياضات الحديثة أن تخطف أنظارها. بفضل هذا الدعم، أصبحت سباقات الهجن مهرجانات تراثية متكاملة، وقبلة اقتصادية واجتماعية تستقطب المشاركين من كافة أقطار الخليج والوطن العربي، ليتحول التراث في قطر إلى "مشروع حي" ينبض بالحياة في الميادين، لا مجرد صفحات مؤرشفة في الذاكرة.

ثورة البنية التحتية
إن النهج القطري في تحديث ميادين الهجن يمثل قصة نجاح تدرس في كيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة الموروث. ويعد "ميدان الشحانية" القلب النابض لهذه الرياضة، حيث تحول من مضمار تقليدي إلى مركز عالمي يضم مرافق متكاملة وحظائر حديثة ومناطق تدريب مجهزة بأحدث الوسائل.
ولعل من أبرز الخطوات التقنية التي تمت بتوجيهات أميرية، هو دخول اللجنة المنظمة لسباق الهجن في شراكات تقنية لإطلاق بوابات إلكترونية وتطبيقات ذكية. هذه الأنظمة سهلت عمليات التسجيل وتتبع بيانات الهجن بدقة متناهية، مما أضفى صبغة مؤسسية احترافية على السباقات. كما شمل التطوير نظام إضاءة ليلي متطور، سمح بإقامة السباقات والتدريبات في فترات المساء، مما منح الجمهور تجربة مشاهدة فريدة خارج الأوقات التقليدية.
ولم يقف الطموح عند المضمار فحسب، بل امتد ليشمل شبكة طرق وطنية تربط الميادين بالمدن الكبرى، وتوسعة المرافق الطبية والبيطرية والمختبرات المتقدمة لضمان سلامة الهجن، وتوفير بيئة استراحة فاخرة للمشاركين والزوار، مما رفع معايير التنظيم إلى مستويات عالمية نافست أرقى الرياضات الدولية.

سلامة المطايا.. أولوية تقنية
وفي مبادرة تعكس مدى الاهتمام بأدق التفاصيل، قامت اللجنة المنظمة بتجديد كامل لأرضيات المضامير في الشحانية، عبر استبدال طبقات الرمال القديمة بنوعيات محسنة تضمن "سطح سباق" آمنًا وكفؤًا. هذه الخطوة لم تكن تجميلية، بل كانت ضرورة تقنية لتحسين أداء الهجن وحمايتها من الإصابات خلال الركض لمسافات طويلة، وهو ما يؤكد أن "سلامة المطايا" هي جزء أصيل من منظومة الدعم الأميري.

كرم الضيافة.. قطر تجمع الأشقاء
تظل قطر، بروح الأخوة وشيم الكرم العربي التي يرسخها سمو الأمير، حريصة على تذليل كافة العقبات أمام مشاركة أبناء دول مجلس التعاون الخليجي. ففي الدوحة، يجد "ابن الخليج" نفسه في بيته وبين أهله، حيث تفتح الميادين ذراعيها لاستقبال الجميع وسط أجواء من المنافسة الشريفة. ولا تفرق الدوحة في جوائزها الضخمة أو تعاملها الراقي بين متسابق وآخر، فالهدف الأسمى هو الفوز بجائزة "اللحمة الخليجية" قبل السيوف والسيارات والجوائز النقدية.
إن "الدوحة" اليوم تقدم نفسها بكل اعتزاز وفخر كعاصمة لـ"الأصالة" التي تُرحب بضيوف الموروث بقلب مفتوح، مجسدةً القيم الإنسانية النبيلة التي تربى عليها إنسان هذه الأرض.
ولا شك إن رعاية صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لسباقات الهجن ومزاينات الإبل وعموم التراث، تحمل رسالة حضارية عميقة: "أن التحديث لا يعني الانسلاخ من الماضي".
بينما تمضي قطر في مسارات التحديث الطموحة، يبقى صوت "ركض الهجن" يُذكرنا بأن هناك قيادة واعية سهرت على ألا يغيب هذا الصوت أبدًا. إنها رؤية الأمير تميم، التي جعلت من الموروث كائنًا حيًا ينمو ويزدهر، ويُسلم للأجيال القادمة وهو في أبهى حلله وأقوى صوره.





