عشق الإبل تحول إلى صناعة واقتصاد متكامل
يؤكد: دعم القيادة نقل الرياضات التراثية من البادية إلى منصات العالمية
|| حوار: عبد الله الجعيل
في قلب الصحراء حيث تُصنع الحكايات وتولد القيم وتشتدّ عروق الرجال، خرج خالد بن طناف المنهالي، شيخ قبيلة المناهيل، واحد من كبار ملاك الإبل المجاهيم في دولة الإمارات والجزيرة العربية، ورجل حفظ للتاريخ أصالته، وللوطن إخلاصه، وللقيادة ولاءه الذي لا يتغيّر. نشأ بين رمال تعرف خطواته، وإبلٍ تحفظ صوته، في زمنٍ كانت البادية فيه مدرسة تُربّي وتُعلّم قبل أن تكون مكاناً للسكن والارتحال
منذ أكثر من أربعين عاماً، كان «بن طناف المنهالي»واحداً من المؤسسين الأوائل لمزاينات الإبل، أسهم في نقلها من جلسات البادية وحديث السمر إلى منصةٍ رسمية أصبحت صناعة واقتصاداً ومصدر رزق وفخر، تحظى برعاية القيادة ودعمها حتى غدت علامة فارقة في التراث الوطني
في هذا الحوار الخاص، يفتح خالد بن طناف المنهالي صفحات سيرة ممتدة من الطفولة في عمق الصحراء، إلى تأسيس المزاينات، ومن شغفه المتأصل بالإبل المجاهيم إلى رؤيته العميقة لمستقبل التراث ودور الشباب، في رحلة تستحق أن تُروى للأجيال
ـ في البداية سألناه.. كيف تصف طفولة ابن البادية؟ وماالقيمة الأبرز التي منحتك إياها الصحراء؟
الصحراء مدرسة الصبر. من يعيشها يعرف معنى المشقة ويتعلم الجلد والمثابرة، وكل ذلك صنع شخصيتنا وساهم في ترسيخ هويتنا واعتزازنا بالبيئة التي نشأنا فيها، وهي قيم راسخة علمتنا إياها الصحراء، ونحن أبناء البادية المنتشرين في الجزيرة العربية، نحمل جزءاً كبيراً من هذا الإرث في داخلنا، ودعمت القيادة هذه المنظمة ورسخت في وجداننا عشق الموروث والاعتناء به، فبقي جزءاً من هويتنا حتى اليوم.
ـ والدكم، رحمه الله، كان قريباً من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد… فما الذي تتذكره الآن عن هذه اللقاءات؟
نعم كنا نرافق الوالد في مجالس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بقصر المنهل والحصن ونشهد حديثه ومجالسه العامرة، وبكل تأكيد تأثرنا بفكر زايد، فقد كان طيب الله ثراه، موسوعة لا تتكرر. كان مربياً، قائداً، حكيماً، وبدوياًأصيلاً يعرف تفاصيل البادية وقيمها. تربينا على رؤيته.
أما عن حديث الذكريات، فقد كنت صغيراً عندما رافقت والدي في زيارات الشيخ زايد، طيب الله ثراه. وما زلت أتذكر ليلة كنا معه في عزبة لا يوجد فيها كهرباء. جلس على الرمل معنا يشرب القهوة ويتحدث عن البادية والقبائل… مشهد لا يُنسى لرئيس دولة يعيش ببساطة البدوي
ـ حدثنا عن علاقتكم بأصحاب السمو الشيوخ؟
علاقتنا امتداد لما أسسه الوالد، رحمه الله. وبعد وفاته واصلنا هذا الود مع شيوخنا أبناء الشيخ زايد. وتشرفنا بزيارات عديدة أهمها زيارة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، إلى مجلسنا وتناوله الغداء معنا، وكذلك زيارات سمو الشيخ منصور بن زايد،نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وسمو الشيخ نهيان والشيوخ الآخرين.
ـ متى بدأت علاقتك بالإبل؟وكيف بدأت فكرة المزاينة عام 1982؟
الإبل جزء من حياتنا من لحظة الميلاد. ولدنا بينها وتربينا معها، ولا تزال في قلبنا وعقلنا حتى اليوم، أما بخصوص المزاينة فقد ولدت من جلسات البادية قديماً، كان الناس يقارنون بين الإبل: هذه أجمل من تلك… ومن هنا جاءت فكرة جمعها وعرضها والتحكيم بينها من قِبل أشخاص مستقلين. كانت تسمى «الشارة» وجائزتها بسيطة، ثم تطورت شيئاً فشيئاً حتى أصبحت فعاليات رسمية تتبناها الدولة
ـ وهل من صعوبات واجهتكم في البداية؟
نعم كانت هناك أصوات قليلة تعارض لأنها فكرة جديدة، لكن سرعان ما تقبلتها الناس. ثم توسعت لتصل رجال الأعمال ثم كبار المسؤولين، حتى أصبحت اليوم صناعة واقتصاداً كاملاً.
ـ أول ناقة اشتريتها كانت بـ 500 ألف درهم وأحدثت ضجة… كيف تتذكر تلك المرحلة؟
كانت في عام 1982، وكانت حديث الجزيرة كلها. رقم كبير في ذلك الوقت، وشاركت بها وفازت بالمراكز الأولى، فبدأ الناس يهتمون ويشترون ويتوسعون.
ـ نرجع إلى «معاليها» التي فازت هذا العام في الظفرة 19 بنسبة 97%… ما الذي يجعلك تقرر شراء ناقة؟
الخبرة. 40 سنة من التجربة تجعلنا نعرف الناقة التي تفوز وتحقق المراكز، حتى من سن الحيران الصغيرة يمكننا تقدير مستقبلها. هذا تراكم سنوات من التجارب والنجاحات والأخطاء.
ـ برأيك… هل عالم الإبل اليوم مجرد موروث أم صناعة؟
اليوم الإبل تجارة واقتصاد ومصدر دخل. من يريد الرزق يجده في هذا المجال، ومن يبحث عن الناموس يجده أيضاً. عالم الإبل أصبح قطاعاً متكاملاً مدعوماً من الدولة.
ـ كيف يمكن جذب الشباب إلى التراث؟
الشباب يجب أن يخدموا وطنهم أولاً، ثم يلتفتوا للتراث كجزء من هويتهم. التراث اليوم ليس مجرد ماضٍ… بل أصبح مصدر رزق وفرص خير. وهذا سيشجعهم على دخوله
ـ لديكم مبادرات اجتماعية وتعليمية ورياضية… ما أهمها؟
ندعم الشباب في التعليم والتراث والرياضة والصحة، وتعاونّا مع الهلال الأحمر في مبادرات متعددة. نحن نؤمن بأن الجيل الجديد يحتاج قدوة وخبرة وتوجيه قبل أن ينطلق في مشاريعه.
ـ هل التفوق الدراسي يتعارض مع حب الموروث؟
أبداً. يمكن للشخص أن يكون متفوقاً في دراسته ومتمسكاً بتراثه في الوقت نفسه. دولة الإمارات تجمع بين الحداثة والأصالة في آن واحد.
ـ ما المشاريع القادمة التي تخططون لها؟
مستمرون بإذن الله في دعم التراث وخدمة المجتمع والشباب، وفِي كل ما يخدم وطننا وقيادتنا الرشيدة بقيادة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
ـ كلمة للتاريخ… ماذا تقول عن الإبل والوطن والبادية؟
الإبل لها فضل كبير علينا. أوصلتنا لما نحن عليه اليوم، ولها حق يجب أن نرده. هي موروث عاش عليه أجدادنا، ونحن مؤتمنون على حفظه ونقله للأجيال القادمة.





