عصر مذهل انطلق عام 2022

لم تكن صرخة "الناموس" التي دوت في أرجاء ميدان لبصير مطلع عام 2022 مجرد إعلان عن فائز في مسابقة جمال، بل كانت تدشينًا لعصر جديد في عالم التراث العربي. ومنذ تلك اللحظة، تحول مهرجان قطر للإبل "جزيلات العطا" إلى أيقونة خليجية تتجاوز مفهوم المنافسة، لتصبح وثيقة حية تحفظ ذاكرة الصحراء وتستشرف مستقبلها الاستثماري.
منذ النسخة الأولى التي انطلقت تحت الهوية الجديدة "جزيلات العطا"، وضع القائمون على المهرجان نصب أعينهم هدفًا استراتيجيًا: "مأسسة التراث". وعبر خمس نسخ متتالية (2022-2026)، انتقل المهرجان من المحلية إلى الفضاء الدولي، محققًا قفزات نوعية في التنظيم.
لغة الأرقام
في النسخ المتعاقبة، شهدنا تطورًا مذهلًا في استخدام التكنولوجيا؛ من "التحليل الجيني" لضمان نقاء السلالات، إلى أنظمة التحكيم الإلكترونية التي أغلقت الأبواب تمامًا أمام أي "عبث" أو تدخلات بشرية، مما عزَّز من مصداقية المهرجان عالميًا.
في "جزيلات العطا"، لغة الأرقام لا تقل إثارة عن جمال المطايا، فالجوائز المالية التي رصدتها اللجنة المنظمة تجاوزت في مجملها حاجز الـ60 مليون ريال قطريسنويًا، موزعة على مئات الأشواط.
لكن القيمة الحقيقية تكمن في "البورصة" التي يخلقها المهرجان؛ حيث سجلت النسخ الأخيرة، وخاصة نسخة 2026، صفقات انتقال ملكية لنوادر الإبل (خاصة في فئتي المجاهيم والمغاتير) وصلت لأرقام فلكية، مما جعل من المهرجان محركًا اقتصاديًاضخمًا يدعم ملاك الإبل ويحول هوايتهم إلى قطاع استثماري رابح.

استقطاب النخبة
يتفرد المهرجان بقدرته على جمع "أقطاب الجمال" الثلاثة تحت سقف واحد، فتارة تتمايل "الأصايل" بلونها الذهبي عاكسةً شمس الدوحة، وتارة تفرض "المجاهيم" هيبتها بسوادها الفاخر وطول رقابها، بينما تُشعل "المغاتير" حماس الجماهير بألوانها المتعددة، هذا التنوع جعل من المهرجان "أولمبياد" حقيقيًا للإبل، يستقطب نخبة النخبة من السعودية، والإمارات، والكويت، وعمان، للتنافس على "البيارق" والسيوف الذهبية.
خلف المنصة الرئيسية للتحكيم، توجد حياة أخرى؛ هي "القرية التراثية" التي تُعد رئة المهرجان. هنا، يمتزج عبق القهوة العربية بصوت الربابة، وتتحول الخيام إلى صالونات أدبية يتسامر فيها الشعراء والمؤرخون.
لقد نجح المهرجان في نسخته الخامسة (2026) في أن يكون جسرًا سياحيًا، حيث جذبت الفعاليات المصاحبة، من متاحف الإبل والسوق الشعبي، آلاف السياح الذين جاءوا لاكتشاف سر هذا الارتباط الوجداني بين العربي وناقته، في مشهد يُبرز قوة "القوة الناعمة" لقطر في الحفاظ على الهوية الوطنية.

يُقام المهرجان عادةً في الفترة ما بين يناير وفبراير من كل عام، وأصبح هذا الموعد ثابتًا في أجندة الفعاليات التراثية في دولة قطر ودول مجلس التعاون الخليجي.

يُذكر أنه قبل عام 2022، كانت مهرجانات المزاين في قطر تُقام تحت مسميات مختلفة أو بشكل منفصل لكل فئة، لكن منذ ذلك الحين، تم دمج جميع الفئات (الأصايل، والمجاهيم، والمغاتير) تحت سقف "جزيلات العطا" ليكون المهرجان الأضخم والأوحد للمزاين في الدولة، وأصبح الاسم الآن مرادفًا لأقوى منافسات مزاين الإبل في المنطقة، ويتم الحفاظ عليه سنويًا لترسيخ مكانته في الوجدان الشعبي والإعلامي.





